الشعب يريد الحريات الأساسية الأستاذ رضا بن سلامة

«الحريات الأساسية وأنماط فساد النظم» كتاب صدر في ظاهر سنة 2010 في فرنسا كتبه المؤلف في اللغة الفرنسية أولاً، وتناول فيه ظاهرة انتهاك الحريات في دول الجنوب وتأثيره على عرقلة النمو الاقتصادي، كما تطرق المؤلف إلى أنماط الفساد المتفشي في النظم الدكتاتورية مبرزا تأثير ظاهرة السلطة الموازية المطلقة، ودور الدول العظمى في استدامة هذه الأوضاع الشاذة.. ثم قام المؤلف الأستاذ رضا بن سلامة بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية وأضاف إليه توطئة بعد ثورة الشعب التونسي (الشعب يريد) عبّر من خلالها عن تجاوبه مع تطلعاتها، مشيرا إلى مكتسباتها في مرحلتها الأولى وبين بعض النواحي السلبية التي تهدد اكتمالها.
وختم الكتاب بنص ابداعي «زلزالها».. كبت الحريات الذي فجر زلزال الشعوب.. هذا من نص تعريفي ورد في الغلاف الأخير من الكتاب.
الأستاذ رضا بن سلامة متخرج في المعهد الأعلى للدراسات السياسية بباريس وهو خبير في مجال الصناعة والتجارة لدى مؤسسات عالمية.. وخبير في الاقتصاد في الهيئة العامة للصناعة في دولة الكويت.
الشعب التونسي عالي الثقافة والوعي، جمع الثقافتين الأوروبية والعربية، وهو مقدام بفكره المتنور الثوري منذ أطلق الشاعر الشاب أبو القاسم الشابي صرخة الحياة الكريمة للتغيير:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
يقول المؤلف بن سلامة عن ثورة الشعب:
إنها لثورة أصيلة وراقية لا مثيل لها في التاريخ وهي في إبداعها تحمل بوادر أزاحت عقوداً من الكبت والضيم.
واستشهد المؤلف بلوحة شعرية للشاعر أحمد مطر:
بالتمادي.. يصبح اللص بأوروبا مديراً للنوادي
وبأمريكا، زعيماً للعصابات وأوكار الفساد
وبأوطاني التي من شرعها قطع الأيادي
يُصبح اللص.. زعيماً للبلاد
الثورة الشعبية التونسية حكّمت العقل، وتمثلت بالإقدام والشجاع والفداء، والإقدام قد سهل للآخرين اقتحام كل الموانع، وعاش الحكام الجائرون في رعب شديد.. وتبين أن الأسلحة والجيوش والطائرات التي صرفت لها من قوت الشعب، ليس لحماية الوطن من الخارج بل للحفاظ على الدكتاتور في عرشه، منهم من هرب ومنهم من اقتيد إلى قفص الاتهام ومنهم من يواجه غضب الشعب.. لقد زلزلت بهم الأرض رغم دعاء سدنة المساجد لولي الأمر على جميع المنابر.
وما كمم أفواه الشعوب إلا قادة رجال الدين ودعاؤهم لبقاء الخليفة في عرشه.
استعان الأستاذ رضا بن سلامة بشاعر فلسطيني هو عاطف القانوع:
يا أيها الفارون في مجاهل الصحراء
مسرعون غير أنهم أحياء
توقفوا.. توقفوا
«بن علي قد هرب»
والبو عزيزي أحرق الطغاة
والبو عزيزي أيقظ الغفاة
في انتظاركم هناك عند شعلة الغضب
«بن علي قد هرب»
وقال الأستاذ رضا بن سلامة: في كتابه «الشعب يريد الحريات الأساسية» لقد فوجئت بتلقائية الإعجاب الذي عبر عنه أصدقاء وزملاء من الكويت ومصر وسورية ومن فلسطين ولبنان، وأنا مقيم بين إخواني في الكويت، كان ذلك تعبيراً عن الإعجاب بثورة الشعب التونسي وبطولته وقدرته الفائقة على الزمجرة والوثوب وطرد الطاغية.

الدول الكبرى المهيمنة على الدول النامية تجدها تحرص كل الحرص على تطبيق الديموقراطية عندها، وقد تعطي للدول الصديقة لها جرعات بسيطة من الديموقراطية ظاهرها الإعلامي يختلف عن باطنها.. وتغض النظر عن ظلم النظام وزبانيته وتدخل مع الدكتاتور وأسرته في أعمال مشتركة، مع وجود انتخابات ومجالس منتخبة أو معينة وتعقد مع رأس النظام عقوداً للأسلحة لا يعلم الشعب بمصداقيتها، وقد تكون وهمية وتعقد العديد من المشاريع الكبرى لتبادل المصالح، لذا فإن جميع الأنظمة الدكتاتورية هي غرس بل أغراس زُرعت بذكاء وسرية حتى تم اكتشافها مع الزمن.
وهناك تقارب بين انتفاضة الشعبين التونسي والمصري حيث ان الجيشين وقفا على الحياد وعز عليهما ضرب الشعب لحماية رأس النظام.
يقول المؤلف عن الجيش التونسي إنه كان في مستوى المسؤولية وظهر للعيان وعيه الكامل للوضع وأظهر وطنيته الصادقة، لذا فإنه قد جنب البلاد خطر حمام الدم، ولام المؤلف بعض دول الجوار:
إذا ما الدهر جر على أناس
حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا
سيلقى الشامتون ما لقينا
والدول الغربية لا يهمها إلا مصالحها المادية، ومن المحبذ أن يكون مناخ الثقة والاحترام المتبادل مساعداً على معالجة الأمور إلا أن هذه الثقة قد ارتجت بالخصوص مع فرنسا، فلقد أخفقت في علاقاتها مع تونس منذ حكم فرانسوا ميتران إلى جاك شيراك وانتهاء بنيكولا ساركوزي، فكانت الحكومات الفرنسية دائما داعية للنظام المستبد وأقل ما يقال أن موقفها كان متواطئاً.
هكذا فإن دول الغرب تحرص على إقامة الديموقراطية عندها، ولا يهمها بطش الطغاة في البلاد الأخرى بل تحسن التعامل مع هذه الأنظمة في مشاريع تكسبهم نفعا.. وغالبا ما تستغل جهلهم لأنهم لا يستشيرون الشعب، فيدخلون معها في استنزاف مالي يعرض البلاد لمشاكل مادية.. أما العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أن الرئيس المخلوع كان صنيعة المخابرات الأمريكية وعميلها المطيع حتى لحظة هروبه، فهي التي أطلقت يديه على امتداد عشرين عاما كي يعيث هو وعصابته فساداً في البلاد، وانطلقت وسيلة كشف المعلومات ويكيليكس التي نشرت أسرار النظام ونهبه لأموال الدولة.
ولم تكابر أجهزة اتخاذ القرار الأمريكية بل رفعت يدها عن الديكتاتور ساعة اهتزاز كرسيه.. ولم تتصد للشعب في ثورته..
أما ذئاب العالم من البنك الدولي إلى صندوق النقد الدولي، مرورا بمنطقة التجارة العالمية، ومنظري النظام العالمي الجديد فعلينا الحذر من تدخلاتهم التي لم تجلب لنا إلا المآسي، فمن لا يتذكر مدير صندوق النقد الدولي دومنيك شتراوس الذي زار تونس يوم 18 نوفمبر 2008 فإنه تعامل مع الرئيس وأطلق العنان للنهب تحت غطاء اقتصاد السوق الليبرالي، وبرنامج التعديل الهيكلي.. هذه الأجهزة هي مخابرات سياسية أكثر منها اقتصادية هم الذين حطموا الاقتصاد بخطة صهيونية في دول شرق آسيا السبع.. وهي التي تجوب الشرق وأفريقيا لكيلا تقوم لدولها قائمة وتحطم الاقتصاد بمصالح مشتركة مع الرؤوس الديكتاتورية بغياب أصحاب الرأي من الشعب.
إن التننمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ما هي إلا أرقام واستنزاف أموال الشعوب.. ظاهرها تخطيط للرقي بالشعوب وحقيقتها استنزاف أموال الشعوب مع مساندة إعلامية منظمة.. وتُنجز مشاريع كبرى وتتم فيها أعمال نهب وسطو دون رقابة شعبية ولا توجد دولة في الشرق إلا تقع في حبائل هذه الأجهزة.
هذا بالإضافة إلى العقود الوهمية المزينة ببريق الإعلام والاحتفاليات الرسمية وتوزيع الورود وتبادل التواقيع..« دول تُسرق في الشرق باسم المخابرات الاقتصادية». كتاب جدير بالقراءة للأستاذ رضا بن سلامة.. تحية له وشكرا على إنجازه الثقافي الاقتصادي.